سيد محمد طنطاوي
42
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : لقد ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - أنك بعيد عما اتهمك به الكافرون ، وأن لك عندنا المنزلة التي ليس بعدها منزلة . . وما دام الأمر كذلك فسترى وستعلم ، وسيرى وسيعلم هؤلاء المشركون ، في أي فريق منكم الإصابة بالجنون ؟ أفي فريق المؤمنين أم بفريق الكافرين . . قال الجمل في حاشيته ما ملخصه : قوله : * ( فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ) * قال ابن عباس : فستعلم ويعلمون يوم القيامة حين يتميز الحق من الباطل ، وقيل في الدنيا بظهور عاقبة أمرك . . * ( بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) * الباء مزيدة في المبتدأ ، والتقدير : أيكم المفتون ، فزيدت الباء كزيادتها في نحو : بحسبك درهم . . وقيل : الباء بمعنى « في » الظرفية ، كقولك : زيد بالبصرة . أي : فيها . والمعنى : في أي فرقة منكم المفتون . وقيل : المفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور . أي ، بأيكم الفتون . . « 1 » وجملة : * ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِه . . ) * تعليل لما ينبئ عنه ما قبله من ظهور جنونهم بحيث لا يخفى على أحد ، وتأكيد لوعده صلى اللَّه عليه وسلم بالنصر ، ولوعيدهم بالخيبة والخسران . أي : إن ربك - أيها الرسول الكريم - الذي خلقك فسواك فعدلك ، هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وبمن أعرض عن طريق الحق والصواب . . وهو - سبحانه - أعلم بالمهتدين الذين اهتدوا إلى ما ينفعهم ويسعدهم في دنياهم وآخرتهم . . وما دام الأمر كذلك : فذرهم في طغيانهم يعمهون ، وسر في طريقك ، فستكون العاقبة لك ولأتباعك . ثم أرشده - سبحانه - إلى جانب من مسالكهم الخبيثة ، وصفاتهم القبيحة ، وحذره من الاستجابة إلى شيء من مقترحاتهم ، فقال : * ( فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ . وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) * . وقوله : * ( وَدُّوا ) * من الود بمعنى المحبة . وقوله : * ( تُدْهِنُ ) * من الإدهان وهي المسايرة والمصانعة والملاينة للغير . وأصله أن يجعل على الشيء دهنا لكي يلين أو لكي يحسن شكله ، ثم استعير للملاينة والمساهلة مع الغير .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 383 .